ابن الأثير
375
الكامل في التاريخ
نظر فإذا العجوز وابنها أقرب النّاس إليه ، فدعا ابنها ، فأجابه وما تكلّم قبل ذلك قطّ ، ثمّ نزل عن عاتق أمّه يمشي على قدميه سويّتين وما وطئ الأرض قطّ . فلمّا وقف بين يدي جرجيس قال له : ادع لي هذه الأصنام ، وهي على منابر من ذهب واحد وسبعون صنما ، وهم يعبدون الشمس والقمر معها ، فدعاها ، فأقبلت تتدحرج إليه . فلمّا انتهت إليه ركض برجله الأرض فخسف بها وبمنابرها ، فقال له الملك : يا جرجيس خدعتني وأهلكت أصنامي ! فقال له : فعلت ذلك عمدا لتعتبر وتعلم أنّها لو كانت آلهة لامتنعت مني . فلمّا قال هذا قالت امرأة الملك وأظهرت إسلامها وعدّت عليهم أفعال جرجيس وقالت : ما تنتظرون من هذا الرجل إلّا دعوة فتهلكون كما هلكت أصنامكم . فقال الملك : ما أسرع ما أضلّك هذا الساحر ! ثمّ أمر بها فعلّقت على خشبة ، ثمّ مشط لحمها بمشاط الحديد ، فلمّا آلمها العذاب قالت لجرجيس : ادع اللَّه أن يخفّف عني الألم . فقال : انظري فوقك فنظرت فضحكت . فقال لها الملك : ما يضحكك ؟ قالت : أرى على رأسي ملكين معهما تاج من حلي الجنّة ينتظران خروج روحي ليزيّناني به ويصعدا [ 1 ] بها إلى الجنّة . فلمّا ماتت أقبل جرجيس على الدعاء وقال : اللَّهمّ أكرمتني بهذا البلاء لتعطيني أفضل منازل الشهداء ، وهذا آخر أيّامي فأسألك أن تنزل بهؤلاء المنكرين من سطواتك وعقوبتك ما لا قبل لهم به ، فأمطر اللَّه عليهم النّار فأحرقتهم . فلمّا احترقوا بحرّها عمدوا إليه فضربوه بالسيوف فقتلوه ، وهي القتلة الرابعة . فلمّا احترقت المدينة بجميع ما فيها رفعت من الأرض وجعل عاليها سافلها ، فلبثت زمانا يخرج من تحتها دخان منتن . وكان جميع من آمن به وقتل معه أربعة وثلاثين ألفا وامرأة الملك .
--> [ 1 ] ويصعدان .